الشيخ محمد رضا مهدوي كني
353
البداية في الأخلاق العملية
وعلى صعيد آخر انّ وجود مثل هؤلاء الافراد في المجتمع ، امر لا مهرب منه ، لأنّ أي مجتمع لا يخلو من حادث ، لا سيما المجتمع الاسلامي الذي يعدّ فيه الجهاد والدفاع من أهم الواجبات ، ومن الطبيعي ان يفقد الأبناء آباءهم أو أمهاتهم بطريقة أو بأخرى فيعيشون اليتم والحاجة إلى الحنان . وفي ظل مثل هذه الأوضاع لا بد من اتخاذ الخطوات الضرورية المدروسة لاحتواء مشكلة الأيتام . ولهذا السبب بالذات طرح الدين الاسلامي المقدس مشكلة اليتم كقضية أساسية ومهمة ، وعدّ المسلمين مسؤولين عن مصيرهم على جميع الأصعدة اقتصادية كانت أم عاطفية أم تربوية أم تعليمية وما إليها . ولا يقتصر البحث هنا على تأمين معاشهم وحاجاتهم المادية ، لأنّ حاجات الانسان لا تتلخص في الماء والخبز ، بل إنه متعطش إلى الحب وإلى من يلبي مشاعره وعواطفه . فالانسان كائن عاطفي ينزع نحو حب الآخرين ويتوق لرؤية حبّ الآخرين له . فالحب كامن في أعماقه . انه ليس مصنوعا من الحجر أو الخشب كي يكون خاليا من الحب والمشاعر . فحينما يتأثر الكثير من الحيوانات بالحب وتعبّر عن هذا التأثر بردود فعل ايجابية ، فكيف بامكان الانسان أن يعيش بعيدا عن الحب وهو الذي قد فطر عليه وعجن بطينته ؟ مما لا شك فيه ، ليس بامكان أي شيء ان يملأ فراغ الأب والام سوى الحب والحنان . وكم هو رائع لو تتكفل كل أسرة يتيما أو يتيمين وتأخذ على عاتقها رعايتهما وتربيتهما وإغداق الحنان والعطف عليهما ، لا أن تكتفي بتأمين معيشتهما . يعدّ تأسيس دور الأيتام وتقديم المساعدات المالية لها أمرا محمودا وجميلا ، ولكن ليس بامكان هذه المؤسسات أن تكون بديلا لمحيط الأسرة الدافئ ، إذ ليس بامكان المعلم أو المربي المتقاضي للراتب ، ان يحل محل الأب أو الام ، في حين انّ الطفل بحاجة إلى حنان الأب وعاطفة الام . لذلك نجد الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي بعثه اللّه تعالى رحمة للعالمين ، وذاق طعم اليتم المر ، يؤكد كثيرا على احتضان الأيتام ورعايتهم وتطويقهم بالحنان ، ويحث